أبي المعالي القونوي
396
شرح الأسماء الحسنى
ليعلموا أنّهم إذا شكوا إليه ما نزل عليهم من البلاء لا يقدح ذلك في نسبة الصّبر إليهم ، وذلك أنّه ما في الوجود شيء إلّا فيه سرّ وحكمة تجري على جريان الإرادة ، فكما أنّ الحقّ ما ينعم ما ينعم على عبده إلّا ليشكره ويحمده على ذلك ، كذلك ما يبتلي المبتلى ببلاء إلّا ليرفع الشّكوى إلى الحقّ ، ويتوجّه إلى حضرته بالتّواضع والتّضرّع والاستكانة والافتقار ، وإن كان مقام الصّبر عند أهل الطّريقة يقتضي الثبوت مع الحكم الرّبّانيّ ، لما فيه من المصلحة وإن لم يشعر بها العبد ، فذلك حكم المتعبّدين من أهل المجاهدة والمكابدة الواقفين مع التّخيّلات النّظريّة والتّقليدات السّمعيّة ، لا الذّائقين من مشارب عيون العيان ، والفائزين بشهود حقائق العرفان ، فإنّ للعارف الواقف في هذا المقام الشّهود الدّائم في اختلاف شؤون الحقّ ، فلا يقدح في شهود شكواه إلى الحقّ ، لأنّ الحقّ - عزّ شأنه - ما جعل حكم ما ينافي غرضه ويخالف مزاجه فيه إلّا ليرفع إليه الشّكوى ، ويسأله رفع ذلك عنه ، فمن لم يشك إلى اللّه عند إحساسه بالبلاء فقد قاوم القهر الإلهيّ بجهله ، ولذلك جاع أبو يزيد - قدّست أسراره - فبكى ، فقيل له في ذلك ، قال : إنّما جوّعني لابكي . فمن آداب أهل القرب في حالة الألم رفع الشّكوى إلى الحقّ لا إلى غيره ، ولهذا كان أيّوب عليه السّلام مع جلالة منصب النّبوّة يقول : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ « 1 » ووصفه الحقّ بالصّبر ، وذكره في
--> ( 1 ) - سورة الأنبياء ( 21 ) : الآية 83 .